عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

114

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

وهي ضدّه ، فالكتاب الذي أنزله الحقّ سبحانه على لسان نبيه صلّى اللّه عليه وسلم هو عبارة عن أحكام الوجود المطلق الذي هو أحد وجهي ماهية الحقائق ، فمعرفة الوجود المطلق هو علم الكتاب ؛ وقد أشار الحق إلى ذلك في قوله : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ « 1 » وقوله : وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ « 2 » وقوله : وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا « 3 » وبعد أن أعلمناك أن أمّ الكتاب هي ماهية الكنه ، وظهر أن الكتاب هو الوجود المطلق ، اعلم أن الكتاب سور وآيات وكلمات وحروف ، فالسور عبارة عن الصور الذاتية وهي تجليات الكمال ، ولا بد لكل سورة من معنى فارق تتميز به تلك السورة عن غيرها ، فإذن لا بد لكل صورة إلهية كمالية من شأن تتميز به تلك الصور عن غيرها ، ولولا التطويل لنبهناك على كل صورة منها وسورة من كتاب اللّه تعالى ، والآيات عبارة عن حقائق الجمع ، كل آية تدل على جمع إلهي من حيث معنى مخصوص يعلم ذلك الجمع الإلهي عن مفهوم الآية المتلوّة ، ولا بد لكل جمع من اسم جمالي وجلالي يكون التجلي الإلهي في ذلك الجمع من حيث ذلك الاسم ، وكانت الآية عبارة عن الجمع لأنها صارت عبارة واحدة عن كلمات شتى ، وليس الجمع إلا شهود الأشياء المتفرّقة لعين الواحدية الإلهية الحقية ، والكلمات هي عبارة عن حقائق المخلوقات العينية ، أعني المتعينة في العالم الشهادي والحروف ، فالمنقوط منها عبارة عن الأعيان الثابتة في العلم الإلهي ، والمهمل منها على نوعين ( النوع الأول ) مهمل تتعلق به الحروف ولا يتعلق هو بها ، وهي خمسة : الألف ، والدال ، والراء ، والواو ، واللام . الألف إشارة إلى مقتضيات كمالية وهي خمسة : الذات والحياة والعلم والقدرة والإرادة ، إذ لا سبيل إلى وجود هذه الأربعة المذكورة إلا بالذات ، ولا سبيل إلى كمال الذات إلا بها . ( والنوع الثاني ) مهمل تتعلق به الحروف ويتعلق هو بها ، وهي تسعة ، فالإشارة بها إلى الإنسان الكامل لجمعه بين الخمسة الإلهية والأربعة الخلقية ، وهي العناصر الأربعة مع ما تولد منها ، وكانت أحرف الإنسان الكامل غير منقوطة لأنه خلقها على صورته ، ولكن تميزت الحقائق المطلقة الإلهية عن الحقائق المقيدة الإنسانية لاستناد الإنسان إلى موجد يوجده ، ولو كان هو الموجد فإن حكمه أن يستند إلى غيره ، ولهذا كانت حروفه تتعلق بالحروف ، وتتعلق

--> ( 1 ) آية ( 12 ) سورة يس . ( 2 ) آية ( 59 ) سورة الأنعام . ( 3 ) آية ( 12 ) سورة الإسراء .